صرختُ بملء صوتي في عتمة الحقل وأنا ألطم صدري: "صفية! صفية مكنتش هربانة... صفية اتدفنت حية تحت رجلين عبلة ومحمد عشان ياخدوا نصيبها في العمارة ويصفوا التركة لوحدهم!"سقطت دمعة حارقة من عين أحمد كوت خده، واهتز جسده بالكامل بنوبة بكاء قاهر وهو ينظر إلى السماء ويصيح بصوت يفتت الصخر: "يا ولاد الكلب!
ق. تلتوا أختي الوحيدة؟! ق. تلتوا عمتي وعريتوا سمعتها في الحارة وقولتوا هربت مع راجل غريب عشان تبلعوا ورثها وورث أبويا؟! يا قهار يا منتقم. .. يا رب سيبت الحبل ليهم تلاتين سنة عشان تفضحهم الموتة دي والخراب ده كله؟ !
"ركبنا سيارات الشرطة التي انطلقت بأقصى سرعة، تطلق ساريناتها المدوية وتشق ظلمات الصباح الباكر في طريق العودة إلى حارتنا الشعبية. لم تكن الساعة قد تجاوزت السادسة صباحاً، لكن الحارة كانت قد استيقظت بالكامل عن بكرة أبيها؛
فالخبر انتشر كالنار في الهشيم حين رأى الناس أربع سيارات أمن مركزي وسيارة الأدلة الجنائية وسيارة وكيل النيابة تتوقف أمام مدخل العمارة. خرج أهالي الحارة رجالاً ونساءً وشباباً، يملأون الشرفات والشوارع الجانبية في حالة ذهول وترقب لم تشهد المنطقة مثيلاً لها في تاريخها.
نزلنا من السيارات، وتقدمت قوة أمنية تحمل المطارق الحديدية الثقيلة ومعدات التكسير وأجهزة الإضاءة الكاشفة، ورافقهم وكيل النيابة الذي أمر بفرض كردون أمني ومنع أي شخص من الاقتراب. نزل أحمد يتقدمهم إلى أسفل السلم حيث يقبع الجدار الأسمنتي القديم الذي تم بناؤه منذ ثلاثة عقود؛
جدار كالح تراكمت عليه خيوط العنكبوت والغبار، وكان يُخفي وراءه سر العائلة الملعون. بدأت ضربات المطارق تنهال على الجدار بقوة واهتزازات عنيفة رجت مدخل العمارة، ومع كل طوبة حمراء تتساقط، كانت تفوح رائحة رطوبة وعفونة خانقة حبست أنفاس الواقفين.
انهار الجدار أخيراً وفتح فجوة مظلمة موحشة، فسلط رجال الأدلة الجنائية الكشافات القوية داخل البدروم الضيق، ونزل فريق المباحث بحذر وهم يرتدون الكمامات الواقية. لم يمضِ سوى ربع ساعة من النبش وإزالة الردم والتراب في الزاوية الغربية أسفل صبة العمود الخرساني، حتى صرخ أحد أفراد الأدلة الجنائية بصوت متوتر: "لقينا كيس بلاستيكي مدفون تحت البلاط.
.. وفي عظام بشرية كاملة ومعاها مصاغ دهبي قديم!"عم الوجوم والصدمة المكان كأن ملك الموت دخل الحارة برمتها. أخرج رجال الشرطة رفات الجثة بحرص، جمجمة صغيرة وعظام قفص صدري بالية، وبقايا قماش فستان كحلي باهت كان الجميع في العائلة يعرف أن "صفية" كانت ترتديه في آخر يوم شوهدت فيه، وبجوار الرفات كانت هناك أسورة ذهبية محفور عليها اسم "صفية رضوان"، الخاتم والأسورة التي ادعت عبلة يومها أن الفتاة سرقتهما وهربت بهما!
أحمد لم يحتمل المشهد، فجثا على ركبتيه في تراب المدخل، يمسك بجمجمة أخته المغدورة ويضمها إلى صدره وينتحب كطفل رضيع ذُبح أهله أمامه، والرجال من حوله يبكون لمصابه ولهول الفاجعة التي انكشفت بعد ثلاثين عاماً من الكذب والبهتان.
عب مطلق حين رأت جمجمة صفية وأسورتها الذهبية فوق طاولة الفحص الجنائي، ورأت زوجها أحمد يبكي دماً على عتبة الباب. لم تستطع الوقوف على قدميها، بل انهارت وسقطت على الأرض تزحف تحت نظرات مئات العيون من أهل الحارة الذين أخذوا يرجمونها بالبصاق واللعنات والشتائم كأنها شيطان أُرجم في وضح النهار.


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.